السيد حيدر الآملي
258
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فالوهم وإن أرسل طرفه إلى قبلة وجوب الوجود وبالغ في تقليب حدقته فلن يرجع إلَّا بمعنى جزئيّ يتعلَّق بمحسوس حتّى أنّه لا يقدر نفسه ولا يدركها إلَّا ذات مقدار وحجم ، ولمّا كان الوهم من خواصّ المزاج الحيوانيّ لا جرم سلب التوهّم عن الطور من الملائكة لعدم قوّة الوهم هناك ، فإنّ هذه القوّة لمّا كانت موجودة للإنسان لا جرم كان يرى ربّه في جهة ويشير إليه متحيّزا ذا مقدار وصورة ، ولذلك وردت الكتب الإلهيّة والنواميس الشرعيّة مشحونة بصفات التجسيم كالعين واليد ، والإصبع والاستواء على العرش ونحو ذلك خطابا للخلق بما تدركه أوهامهم وتوطينا لهم وإيناسا ، حتّى أنّ الشارع لو أخذ في مبدأ الأمر بيّن لهم أنّ الصانع الحكيم ليس داخل العالم ولا خارجه ولا في جهة من الجهات وليس بجسم ولا عرض لاشتدّ نفار أكثرهم من قبول ذلك وعظم إنكارهم له ، فإنّ الوهم في طبيعته لا يثبت موجودا بهذه الصفة ولا يتصوّره ، ومن شأنه أن ينكر ما لا تصوّر فكان منكرا لهذا القسم من الموجودات والخطابات الشرعيّة وإن وردت بصفات التجسيم إلَّا أنّ الألفاظ الموهمة لذلك لمّا كانت قابلة للتأويل محتملة له ، كانت وافية بالمقاصد ، إذ العاميّ المغمور في ظلمات الجهل يحمله على ظاهره ويحصل بذلك تقييده عن تشتّت اعتقاده ، وذو البصيرة المترقّي عن تلك الدرجة يحمله على ما يحتمله عقله من التأويل ، وكذلك حال من هو أعلى منه ، والنّاس في ذلك على مراتب فكان إيرادها حسنا وحكمة . قوله : ولا يجرون عليه صفات المصنوعين . أقول : إجراء صفات المصنوعين عليه إنّما يكون بمناسبته ، ومماثلته مع مصنوعاته ومكوّناته ، وكلّ ذلك بقياس من الوهم ومحاكاة من المتخيّلة له بصورة المصنوع ، فكان الوهم يحكم أوّلا بكون الباري عزّ سلطانه مثلا لمصنوعاته الَّتي يتعلَّق إدراكه بها من المتحيّزات وما يقوم بها ويخيّله بصورة منها ثمّ يساعده العقل في مقدّمة أخرى هي أنّ حكم الشيء حكم مثله فيجري حينئذ عليه صفات مصنوعاته الَّتي حكم بمثليّته لها ، ولمّا كانت الملائكة السّماويّة منزّهين عن الوهم والخيال ، لا جرم وجب تنزيههم عن أن يجروا عليه صفات مصنوعاته ، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا . وكذلك قوله : ولا يحدّونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر .